ابن أبي الحديد

117

شرح نهج البلاغة

وداعي لكم وداع امرئ مرصد للتلاقي ! غدا ترون أيامي ، ويكشف لكم عن سرائري ، وتعرفونني بعد خلو مكاني ، وقيام غيري مقامي . * * * الشرح : أطردت الرجل ، إذا أمرت بإخراجه وطرده ، وطردته إذا نفيته وأخرجته ، فالإطراد أدل على العز والقهر من الطرد ، وكأنه عليه السلام جعل الأيام أشخاصا يأمر بإخراجهم وإبعادهم عنه ، أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلى ، وأي وقت يكون بعينه ، وفى أي أرض يكون ، يوما يوما ، فإذا لم أجده في اليوم أطردته واستقبلت غده ، فأبحث فيه أيضا فلا أعلم ، فأبعده وأطرده ، وأستأنف يوما آخر ، هكذا حتى وقع المقدور . وهذا الكلام يدل على أنه لم يكن يعرف حال قتله معرفة مفصلة من جميع الوجوه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله أعلمه بذلك علما مجملا ، لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله قال له : " ستضرب على هذه - وأشار إلى هامته - فتخضب منها هذه - وأشار إلى لحيته " ، وثبت أنه صلى الله عليه وآله قال له : " أتعلم من أشقى الأولين " ؟ قال : نعم ، عاقر الناقة ، فقال له : " أتعلم من أشقى الآخرين " ؟ قال : لا ، قال : " من يضربك هاهنا ، فيخضب هذه " . وكلام أمير المؤمنين عليه السلام يدل على أنه بعد ضرب ابن ملجم له لا يقطع على أنه يموت من ضربته ، ألا تراه يقول : إن ثبتت الوطأة في هذه المزلة فذاك ، وإن تدحض فإنما كنا في أفياء أغصان ، ومهاب رياح ، أي إن سلمت فذاك الذي تطلبونه ، يخاطب أهله وأولاده ، ولا ينبغي أن يقال : " فذاك ما طلبه " ، لأنه عليه السلام كان يطلب الآخرة .